تقرير بحث السيد الخوئي للفياض
27
محاضرات في أصول الفقه
وإن شئت قلت : إن هذه الهيئات وما شاكلها لا تصدق على من قام عليه المبدأ قيام الفعل بالفاعل ، وإنما تصدق على من قام عليه المبدأ قيام الصفة بالموصوف . هذا من جهة . ومن جهة أخرى : أن الذي دعا الأشاعرة إلى الالتزام بالكلام النفسي هو تصحيح متكلميته تعالى في مقابل بقية صفاته ، فإن الكلام اللفظي حيث إنه حادث لا يعقل قيامه بذاته تعالى قيام الصفة بالموصوف ، لاستحالة كون ذاته تعالى محلا للحوادث . فالنتيجة على ضوئهما : هي أن كلامه تعالى نفسي لا لفظي . ولنأخذ بالمناقشة في هذا الدليل نقضا وحلا : أما الأول : فلا ريب في أن الله تعالى متكلم بكلام لفظي ، وقد دلت على ذلك عدة من الآيات والروايات : منها : قوله تعالى : * ( إنما أمره إذا أرد شيئا أن يقول له كن فيكون ) * ( 1 ) ، فإن قوله : " كن فيكون " كلامه تعالى ، ومن هنا لا نظن أن الأشاعرة ينكرون ذلك ، بل قد تقدم أنهم معترفون به ( 2 ) . وعليه ، فما هو المبرر لهم في إطلاق المتكلم بالكلام اللفظي عليه تعالى هو المبرر لنا . وأما الثاني : فلأن المتكلم ليس مشتقا اصطلاحيا ، لفرض عدم المبدأ له . بل هو نظير هيئة : اللابن ، والتامر ، والمتقمص ، والمتنعل ، والبقال ، وما شاكل ذلك ، فإن المبدأ فيها من أسماء الأعيان ، والذوات ، وهو اللبن ، والتمر ، والقميص ، والنعل ، والبقل ، ولكن باعتبار اتخاذ الشخص هذه الأمور حرفة وشغلا ولازما له صارت مربوطة به ، ولأجل هذا الارتباط صح إطلاق هذه الهيئات عليه . نعم ، إنها مشتقات جعلية باعتبار جعلية مبادئها ومصادرها . والسبب في ذلك : أن الكلم ليس مصدرا للمتكلم ، لفرض أن معناه : الجرح لا الكلام ، وكلم ليس
--> ( 1 ) يس : 82 . ( 2 ) راجع ص 17 من هذا الكتاب .